ابن عجيبة

346

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بسقوط شهواتكم ، ويميتكم عن شواهدكم ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بحياة قلوبكم ، ثم بأن يحييكم بربكم . ويقال : من الأرزاق ما هو وجود الإرفاق ، ومنها ما هو شهود الرزاق . ويقال : لا مكنة لك في تبديل خلقك ، فكذلك لا قدرة لك على تغيير رزقك . فالموسّع عليه : رزقه بفضل ربه ، لا [ بمناقب ] « 1 » نفسه . والمقترّ عليه رزقه بحكم ربه ، لا بمعايب نفسه . ه . وبعضه بالمعنى . وقد يضيق رزقه على العباد ؛ لما يظهر فيهم من الفساد ، كما قال تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 41 إلى 42 ] ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 41 ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ( 42 ) يقول الحق جل جلاله : ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، أما الفساد في البر ؛ فالقحط ، وقلة الأمطار ، وعدم الريع في الزراعات والربح في التجارات ، ووقوع الموتان في الناس والدوابّ ، ومحق البركات من كل شئ . وأما في البحر ؛ فبكثرة الغرق ، وانقطاع صيده . بِما ؛ وذلك بسبب ما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ من الكفر والمعاصي ، ولو استقاموا على الطاعة لدفع اللّه عنهم هذه الآفات . أظهر فيهم ذلك لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا أي : ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا ، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة ، عن « قنبل ويعقوب » : بنون التكلم . لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عما هم عليه من المعاصي . قُلْ لكفار قومك : سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ ؛ لتعاينوا ما فعلنا بهم بسبب كفرهم ومعاصيهم ؛ لأنه كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ؛ فدمرناهم ، وخربنا ديارهم ، فانظروا : كيف كان عاقبتهم ، لعلكم ترجعون عن غيكم . الإشارة : قال القشيري : الإشارة في البر إلى النّفس ، وفي البحر إلى القلب ، وفساد البرّ بأكل الحرام وارتكاب المحظورات ، وفساد البحر من الغفلة والأوصاف الذميمة ، مثل سوء العزم ، والحسد والحقد ، وإرادة الفسوق ، وغير ذلك . وعقد الإصرار على المخالفات من أعظم فساد القلب ، كما أنّ العزم على الخيرات ، قبل فعلها ، من أعظم الخيرات . ومن جملة الفساد : التأويلات بغير حقّ ، والانحطاط إلى الرّخص من غير قيام بحق ، والإغراق في الدعاوى من غير استحياء . ه .

--> ( 1 ) في الأصول [ بمثاقبة ] والمثبت من القشيري